قريبًا

قريبًا
قريبًا
قريبًا



العودة   منتدى النادي العلمي الكويتي > المنتديات العامة > المنتدى الإسلامي

إضافة رد

 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-07-2010, 06:57 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
Male
علمي جديد
 
إحصائية العضو
علم الدوله:







اخر مواضيعي
 

أ/أحمد ربيع الأبيض غير متصل


Manqool (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)

تأملات حول قوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)كتبه فضيلة الشيخ الدكتور/ ياسر برهامي حفظه اللـه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مع أن الله -عز وجل- حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرمًا، وقال لهم: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا) (رواه مسلم)، وجعل الله -تعالى- الظلمَ سببًا لخراب الأرض وفسادِها، وشقاء أهلها، وإن كان قلب كل مؤمن ليتألم من الظلم الواقع في هذه الأرض، ويجد فيه غصة ومرضًا يحتاج إلى شفاء.
فإن لم يتدارك الإنسان هذا المرض ويعالجه يوشك أن يوقعه في اليأس والإحباط، وترك العمل الواجب في ذلك الوقت أو سوء الظن بالله -عز وجل-، أو التخلف عن رفقة الصالحين الذين ساروا في الأرض؛ ليصلحوا ما وقع فيها من ظلم وجور، وعلى رأسهم أنبياء الله -تعالى- الذين أصلح الله -تعالى- بهم الأرض.
وهذا أمر لابد أن يعلمه المسلم؛ لينتفع بفترات انتشار الظلم والظلام في نفسه، ولطائفته المؤمنة كذلك.
وإن مما يداوي قلب المؤمن ويشفي صدره: ما أعده الله -تعالى- للكافرين والظالمين من عذاب في الدنيا من: ضنك وشقاء، وألم وحسرة؛ قال الله -تعالى-: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه:124)، وقال -تعالى-: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء:104).
وكذلك مما يداوي قلب المؤمن ويشفي صدره: ما أعده الله -تعالى- للكافرين والظالمين من حساب في الآخرة، وما ينتظرهم يوم القيامة من عذاب أليم، قال الله -تعالى-: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ . عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ . هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المطففين:34-36).
وكذلك مما يداوي قلب المؤمن ويشفي صدره: أن يتدبر كتاب الله -تعالى- فإن فيه الشفاء؛ قال الله -تعالى-: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الإسراء:82)، فيشهد ما فيه من أخبار هلاك الظالمين،
وكذلك مما يداوي قلب المؤمن ويشفي صدره: أن يشهد أسماء الله -تعالى- وصفاته، وأن يتعبد لله -عز وجل- بمقتضاها، فيشهد إهلاك الله -تعالى- للظالمين بيقين قلبه قبل أن يرى بعينه؛ فيدعو الله -تعالى- بها، كما علمنا النبي -- فقال: (اللَّهُمَّ مُنَزِّلَ الْكِتَابِ، مُجْرِيَ السَّحَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، هَازِمَ الأَحْزَابِ... ) (متفق عليه)، فيشفي الله -تعالى- بذلك ما في الصدور ما لا يعلمه إلا الله، فيشهد عدله وسرعة حسابه.
وإن شهود عدل الله -عز وجل- وسرعة حسابه؛ لهو من أعظم الأمور التي تجعل العبد -وإن كان مظلومًا في أشد درجات الظلم وهو يرى أهله وإخوانه والمسلمين من حوله يتعرضون لأنواع الظلم- يرى أن الله -تعالى- لا يظلم الناس شيئًا، وأنه سريع الحساب، وأنه -عز وجل- هو العليم الحكيم.
فعند ذلك؛ ينزِلُ البَردُ على قلبه، ويحصل له من أنواع الخيرات ما يستمد بها طاقة يسير بها على الطريق، مع
عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله --: (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ). قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهْيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود:102) (رواه البخاري ومسلم).
ومن سرعة حسابه -عز وجل- بالظالمين:
ما يلقيه الله في قلوبهم من الرعب، والقلق والاضطراب والخوف وعدم السكون؛ جزاء لهم على ظلمهم، وهذا لا يراه كثير من الناس! وإنما يعلمه المؤمنون من أحوال الظالمين، كما أنهم يرون قطرة منه إذا عرَّضوا أنفسهم للظلم، فيجدون انقباضًا وضيقـًا في الصدور، ويجدون ألمًا وهمًا وغمًا وكربًا بما قصروا في الواجب وبما ظلموا أنفسهم فضلاً عن أن يظلموا غيرهم، ويعرفون ذلك بهذه القرينة، وبمقارنة حال الظالمين الأشد ظلمًا كيف أن الله -عز وجل- يجمع على الظالمين الآلام والشقاء والتعب!
ومن سرعة حسابه -عز وجل- لعبده المؤمن:
أنه إذا ظـُلم وتعبد لله -عز وجل- بالعبوديات الواجبة -حال تعرضه للظلم- يجد من الأمن والطمأنينة والسكينة، والهدوء والراحة والسعادة ما لا يجده غيره، حتى ولو كان في أشد لحظات البأساء والألم.
ولكن ألمه قد زال بالصبر واليقين، واستحضار معية الله -عز وجل- للصابرين كما قال الله -تعالى-: (وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249)، فهذه المعية التي تجعل المؤمن في حال آخر، في حلاوة تذوب معها مرارة الألم، فلو أذن للمؤمن -حينئذ- أن يتمنى مزيدًا من البلاء لفعل، لكنه يسأل الله العافية، فإنه يجد اطمئنانـًا وسكينة، قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28).
فهذه الحلاوة تذهب مرارة الألم؛ فمرُّكُم أيها المؤمنون معه عسلٌ تـُذْهِبُ مرارتَه، وأما مرُّهم فلا حلاوة معه، بل تبقى معه المرارة دائمًا.
ف
ومن سرعة حسابه -عز وجل-:
أنه يجعل الكافرين والمنافقين والظالمين يعذبون بلذاتهم، قال الله -تعالى-: (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة:55)، فالأموال والأولادُ من أسبابِ السعادةِ للإنسانِ، ولكن يجعلها الله -تعالى- سببًا لعذاب الظالمين: فأما الأموالُ؛ فيعذبون بها في الدنيا وعند الموتِ، وفي القبرِ وفي القيامة.
ففي الدنيا: من يجمع المالَ من حرامٍ فإنه يشقى به؛ يشقى بطلبهِ، ثم بعد ذلك يشقى بحبسهِ والحرص عليه، والقلقِ على نفاده -فالبخلٌ داءٌ يجعل الإنسان شقيًا في حياته متألمًا في جميع لحظاته-، ويشقى بإنفاقِ ما ينفق بلا سماحةٍ، ولا رضا، ولا رغبةٍ فيما عند الله -عز وجل-، ويتألم في المصائبِ التي تصيبه حين يفقد ما يتمنى تحقيقَهُ؛ فيزداد ألمًا بعد ألم.
حتى إذا جاء الموتُ كان ذلك أعظمَ الألم الذي يلقاه في دنياه، ويشتد عليه عندما يعاين السكرات، فهذه شدة عظيمةٌ إلا أنها لا تزال بدايةَ الشدائد.
فإذا مات كان كنزه وماله ضجيعًا له في قبره كثعبانٍ يلدغهُ ويقضم يده، يلتف حول رقبته، ولا يجد منه مهربًا، ويقول له في القيامة: "أنا مالُكَ، أنا كنزُكَ"، ثم يطوقه الشجاعُ الأسود ذو الزبيبتين -النقطتين-.

فإذا جاءت القيامة: فإنهم يعذبون بما اكتنزوه من أموالهم ولم يؤدوا حقها، قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة:34-35)، وقال النبي --: (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) (رواه مسلم).
وأما الأولادُ؛ فإنهم يعذبون بهم في الدنيا وفي القيامة:
في الدنيا: بمنازعتهم لهم دائمًا، وبمخالفتهم إياهم، فيحرمون برَّهم، وبشقائهم بهم عند فقدهم، حتى ربما تهلكُ نفسُ أحدِهم بسبب ابنه إذا فقِد، أو مَرِِضَ أو أصابه ما أصابه، فيعذَّب به، ثم بعد ذلك بالفراق الذي لا التقاء بعده إلا في النار، والذي يزيد الشقاء شقاءً.
وفي القيامة: يفر أحدُهم من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه، قال الله -تعالى-: (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ . وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ . وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ) (المعارج:11-14)، فعندما يَصلَى النارَ يعرف الألم والعذابَ بالأولاد والأموالِ -نعوذ بالله من ذلك-.
ومن سرعة حسابه -عز وجل-:
أنه يحيي المؤمنَ الحياة الطيبةَ: فالله -عز وجل- يعدُّ للمؤمنين من الخيرات ما تطمئن به نفوسهم ما يدركون به مآلهم عند الله -تعالى-؛ قال الله -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97)، فالمؤمن يسعدُ بالمالِ والولدِ في الدنيا والآخرة.
فأما سعادتُه بالمال:
ففي الدنيا: عندما يعمل ويكتسب الرزقَ الحلال فإنه يحتسب ذلك لله -عز وجل-، وعندما ينفق على نفسه وأهله وعياله؛ فإنه يحتسبه عند الله -تعالى-، فيجد في ذلك من السعادة والراحة أضعافـًا مضاعفة، فإن سعادة المعطي بالعطاء أعظمُ من سعادةِ الآخذ بالأخذ -سعادة الآخذ إن لم تكن ضرورة فهي عذاب على صاحبها-.
وفي الآخرة: قال النبي --: (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ: أَي فُلُ هَلُمَّ) (رواه البخاري). أَي فُلُ: يعني يا فلان، هَلُمَّ: يعني تعال.
وأما سعادته بالولد:
ففي الدنيا: هم قرةُ العينِ كما قال الله -تعالى- عنهم: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان:74).
فقرةُ العينِ بالأهل والذريةِ إنما بكونهم على طاعة الله -عز وجل-، وبكونهم على طريق العبودية لله -عز وجل-.
وبعد موته: يدعو له كما قال --: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (رواه مسلم).

ومن سرعة حسابه -عز وجل-:
لعبادِه المؤمنين أنهم عندما تصيبهم المصائبُ يصبرون ويسترجعون؛ فتتنزل عليهم الرحمةُ والهداية، قال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:155-157)، فنعم العَدْلانِِ ونِعمَت العلاوةُ..
فالعَدلانِ: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)، ماذا لو تخيلت أن الصالحين يُثنون عليك في مجالسهم؟ وكيف لو كان الأنبياء يُثنون عليك؟! وكيف لو كانت الملائكة المقربون يثنون عليك عند الله -عز وجل-؟ وكيف بصلوات الربِّ -عز وجل-؟! أبعد ذلك تكره المصائب أن تقع عليك؟!
أنت تتألم منها لكن ترى بالصبر آثار فضل الله عليك، فإن من أثنى الله -عز وجل- عليه، وصلى عليه في الملأ الأعلى، ثم أعطاه رحمةً، فلابد أن يجد أثرها في الدنيا قبل الآخرة.
فربُّ العالمين يثني على الصابرين الذين شهدوا أنهم ملكٌ لله -عز وجل- (إِنَّا لِلَّهِ)، والذين حققوا الإيمان باليوم الآخر (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، وذلك مما يخفف عنهم ألم المصائب.
فسرعان ما تمر الدنيا كلها بلذاتها وآلامها، فكم من أناسٍ قَبلَنا قد تألموا أضعافـًا مضاعفة ومات المتألم ومات من يؤلمه، ولم يبقَ إلا خبرٌ، ثم بعد ذلك يزول الخبرُ ولا يبقى إلا الحسابُ عند سريع الحساب -عز وجل-، زالت لذاتُ الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، وزال ألمُ المؤمنين والمؤمنات، وبقيت تبعةُ الفتنة التي فتن بها الكفرةُ والظلمة عبادَ الله المؤمنين؛ فالله -عز وجل- قال عن المؤمنين: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)، فهذان عدلان.
وأما العلاوةُ: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)، فهذا فضل الله -عز وجل- على الصابرين، مع زوال الألم في الدنيا، وعند لقائه -عز وجل-.
ومن سرعة حسابه -عز وجل-:
بالظالمين الذين ظلموا وأشركوا، وأفسدوا في الأرض أن يضعَ لهم البغضاء في الأرض، وأن ينزع من قلوبهم الرحمةَ، وأن يجعل قلوبَهم قاسية، كما قال النبي --: (وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ إِنِّي أُبْغِضُ فُلاَنًا فَأَبْغِضْهُ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِى فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلاَنًا فَأَبْغِضُوهُ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ) (رواه مسلم)، وكما قال النبي --: (إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا) (رواه مسلم).
أتظنون أن قاسيَ القلب الذي يعذب الناسَ ويظلمهم يؤلم الناسَ أكثر مما يتألم هو؟!
لا والله. بل إن ألمه أشدُّ، يكفي أن السماء تبغضه، وأهل السماء يبغضونه والأرض تبغضه، وأهلَ الأرض يبغضونه، ، كما قال الله -تعالى-: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) (الدخان:29)، بل نفوسهم تبغضهم، كما قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ) (غافر:10).
تأمل في (إِذْ)؛ أي: حين، فإنما أبغضتهم أنفسهم من حين دُعوا إلى الإيمان فكفروا (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ) ليس فقط تبغضهم نفوسُهم في الآخرة حين يرون العذابَ، وحين يرون ما قدموا لأنفسهم من هلاكٍ أبديّ، وعذاب سرمدي، إنما تبغضهم أنفسُهم حين دُعوا إلى الإيمان فكفروا، ومقتُ الله -عز وجل- أشد من
ولكن إذا أردتَ أن تعلم أن قسوة القلب عقوبةٌ للعبد يتألم بها أكثرَ من ألم المُعذَّب المُتألم؛ فتدبر قول الله -تعالى- عن اليهود الملاعين: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ) (المائدة:13)، فالله -عز وجل- بيَّن أنه لعنهم؛ أي: أبعدهم، والبعدُ عن الله -عز وجل- سببُ كل ألم، وسببٌ كل شقاءٍ وتعاسةٍ.
فإذا تعجبت كيف تصل القلوبُ إلى هذه الدرجة من القسوة؟! فاعلم أن ذلك بسبب؛ لعن الله -تعالى-، وبغضه ومقته -تعالى- لهذا العبد، وإلا فالراحمون يرحمهم الرحمن، كما قال النبي --: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).
ولو قدِّر لك أن ترى حياة الظالمين من داخلها وممن يعاملونهم من المقربين منهم من: خدامهم وأعوانهم، وجنودهم؛ لرأيت عجبًا من الشقاءِ المحيط بهم من كل جانب، ولو رأيتهم مع أهليهم وأولادهم وأزواجهم؛ لوجدتَّ من ذلك عجبًا؛ ولذا تجدهم يحاولون الهروب دائمًا بالمسكراتِ، والمخدراتِ والخمر، وأنواع اللذات التي يريدون أن يغيبوا بها عن الوعي؛ لكي لا يدركوا قدرَ الألم الذي هم فيه؛ بسبب بغض الله -عز وجل- لهم، وهذا من سرعة حسابه -عز وجل-.
ومن سرعة حسابه -سبحانه وتعالى-:
للمؤمنين ما يقبضونه من الثمن العاجل -فضلاً عن الآجل- من الحبِّ الذي يجدونه ممن حولهم، كما قال النبي --: (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ. فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا، فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ) (متفق عليه)، فتجده يشعر بالأنس بينه وبين الأرض، وبينه وبين السماء، وبينه وبين الكائنات المختلفة.
فانظر وتأمل في حال المؤمن: كم يجد من أثر استغفار الملائكة، ومن أثر دعائهم، وكم يجد أُلفـًا وسكينة بينه وبين كل الكائنات، حتى الجمادات؟! قال الله -تعالى-: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء:44).
فهو يستشعر أن الله -عز وجل- يسبح له من في السموات ومن في الأرض، وأن الله -عز وجل- هو العزيزُ الحكيم؛ فعند ذلك يشعر بأنه ليس غريبًا في هذا الكون، بل مع كونٍ أليفٍ حبيب إليه، كما قال النبي --: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
ويكفي من ذلك معيته -عز وجل-، كما قال النبي -- عن ربه -عز وجل-: (كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِى بِهَا)، فهذه معيةُ الحبِّ والتقريب والتكريم؛ حتى يوفقَ العبد في سمعه وبصره، ويده ورجله ما لا يقدر عليه غيره من الناس، فيوفقه الله -تعالى- لاستعمال هذه الجوارحِ في عبوديته، والتي تجلب له كلَّ أنواع السعادة، وبها يزول كل شقاء وألم.
ومن سرعة حسابه -عز وجل-:
أنه إذا أخذ الظالمين لم يفلتهم كما قال النبي --: (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ). قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهْيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود:102) (رواه البخاري ومسلم).
تأمل كيف أهلك الله قومَ نوحٍ -عليه السلام- في أيام معدودات.. !! بعد تسعمائة وخمسين عامًا من الطغيان والجبروت والعدوان على المؤمنين، والاستهزاء بنبي الله نوح -عليه السلام-؛ إذا بالتنور يفور، وإذا بالسماء تمطر، وإذا بالأرض تفور بالماء، وإذا بالموج يكون كالجبال، وإذا بالكفرة الظلمة ينتهون في لحظات، وإن كانت هذه اللحظاتُ تَبقى آلامًا مستمرة عليهم أبد الآبدين كما قال الله -تعالى-: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا) (نوح:25)،
سبحان الله! بقي نوح -عليه السلام- يدعو إلى الله -تعالى- ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا، وهم يصدون عن سبيل الله -عز وجل-، ويكفرون به طوال هذه المدة، ثم في أيام معدودة تغيَّر الأمرُ.
وتأمل كيف أهلكَ الله -تعالى- قوم ثمود بصيحةٍ واحدةٍ.. ! بعد طول مُلكٍ، وسلطانٍ، بعد ما كانوا ينحتون من الجبال قصورًا، ويبنون في الأودية والسهول، ولكن في لحظة ينتهي كل شيء، قال الله -تعالى-: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (فصلت:17).
وتأمل فيما أصاب قوم عاد.. وكيف سلَّط الله -عز وجل- عليهم الريح الباردة في سبع ليالٍ وثمانية أيام حسومًا، قال الله -تعالى-: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) (الحاقة:6-8).
وتأمل فيما أصاب قوم لوط.. في صبيحةِ يوم عذابِهم أخذتهم الصيحةُ، وجعلَ الله -تعالى- عاليها سافلَها، كما قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ . مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ)؛ أي: مُعَدَّةٌ، وما زالت موجودة (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) (هود:82-83).
سبحانَ الله وبحمده، إذا نفذ الأمرُ، قال -تعالى-: (وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:50-51).
وتأمل المدة التي ظلمَ فيها فرعون وتجبَّر، وقتلَ من قتل من الرجال، والنساء، والأطفال، وبقي الفراعنةُ ينحتون انتصاراتهم على المخالفين لهم على جدران معابدهم الزائفة، وما زالت تشهدُ على ظلمهم وجورهم، وتقطيعهم للأعضاء وتمزيقهم للأجسام، وظلَّ فرعونُ يظلم ويتجبر على لحظاته الأخيرة، حتى قبل الوفاة يقول كما حكى الله -عز وجل- عنه: (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) (الشعراء:54-56).
ويدخلُ البحرَ بغروره وطغيانه، وفي لحظة تأتي سرعة الحساب من سريع الحساب -عز وجل-: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) (يونس:90-92).
فلنوقن إذن أن الله -تعالى- سريعُ الحساب يغيِّر موازين الأرض في لحظات، ويمكِّن لعباده المؤمنين، ويفتح لهم من أنواع الخير ما يثبِّت به أفئدتهم، وما يقوي قلوبهم؛ فلا نستعجل: (خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) (الأنبياء:37).


منقــول عن موقع صوت السلف ، بإشراف فضيلة الشيخ الدكتور / ياسر بُرهامى حفظه الله .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى اللهم وسلم وبارك على محمد ٍ وآله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمـة الله وبركاتــه






رد مع اقتباس
قديم 02-08-2010, 11:25 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
Female
علمي برونزي
 
الصورة الرمزية The soul
 

 

 
إحصائية العضو
علم الدوله:







اخر مواضيعي
 

The soul غير متصل


افتراضي رد: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)

سبحان الله

في ميزان حسناتك أخي الكريم







رد مع اقتباس
قديم 04-08-2010, 11:14 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
Male
علمي جديد
 
إحصائية العضو
علم الدوله:







اخر مواضيعي
 

أ/أحمد ربيع الأبيض غير متصل


افتراضي رد: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)

اللهم لاتأخذنا على غرة
وعاملنا بفضلك ياعفو ياغفور







رد مع اقتباس

 

إضافة رد


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:21 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
BoxLink.NET
كل ما يكتب بالمنتدى يعبر عن رأي الكاتب الشخصي

 
تصميم : اليكيكي